أبي حيان الأندلسي

404

البحر المحيط في التفسير

وابن سيرين ، والحسن ، وابن المسيب ، وقتادة ، وطاوس ، ومجاهد ، ومعاوية بن صالح : كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج وغيره فهو ميسر ، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز إلا ما أبيح من الرهان في الخيل ، والقرعة في إبراز الحقوق . وقال مالك : الميسر ميسران : ميسر اللهو فمنه : النرد والشطرنج والملاهي كلها ، وميسر القمار : وهو ما يتخاطر الناس عليه ، وقال على الشطرنج : ميسر العجم ، وقال القاسم ، كل شيء ألهى عن ذكر اللّه وعن الصلاة فهو ميسر . قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ . أنزل في الخمر أربع آيات . وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ « 1 » بمكة ثم هذه الآية ، ثم لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى « 2 » ثم إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ « 3 » قال القفال : ووقع التحريم على هذا الترتيب ، لأنه تعالى علم أن القوم كانوا ألفوا شربها والانتفاع بها كثيرا ، فجاء التحريم بهذا التدريج ، رفقا منه تعالى . انتهى ملخصا . وقال الربيع : نزلت هذه الآية بعد تحريم الخمر ، واختلف المفسرون : هل تدل هذه الآية على تحريم الخمر والميسر أم لا تدل ؟ والظاهر أنها تدل على ذلك ، والمعنى : قل في تعاطيهما إثم كبير ، أي : حصول إثم كبير ، فقد صار تعاطيهما من الكبائر ، وقد قال تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ « 4 » فما كان إثما ، أو اشتمل على الإثم ، فهو حرام ، والإثم هو الذنب ، وإذا كان الذنب كثيرا أو كبيرا في ارتكاب شيء لم يجز ارتكابه ، وكيف يقدم على ذلك مع التصريح بالخسران إذا كان الإثم أكبر من النفع ؟ وقال الحسن : ما فيه الإثم محرم ، ولما كان في شربها الإثم سميت إثما في قول الشاعر : شربت الإثم حتى زل عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول ومن قال : لا تدل على التحريم ، استدل بقوله : ومنافع للناس ، والمحرم لا يكون فيه منفعة ، ولأنها لو دلت على التحريم لقنع الصحابة بها ، وهم لم يقنعوا حتى نزلت آية المائدة ، وآية التحريم في الصلاة ، وأجيب بأن المحرم قد يكون فيه منفعة عاجلة في

--> ( 1 ) سورة النحل : 16 / 67 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 43 . ( 3 ) سورة المائدة : 5 / 90 . ( 4 ) سورة الأعراف : 7 / 33 .